أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
102
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
« رَحِمَ » ضمير مرفوع يعود على اللّه تعالى ، ومفعوله ضمير الموصول ، وهو من حذف لاستكمال الشروط ، والتقدير : لا عاصم اليوم البتة من أمر اللّه ، لكن من رحمه اللّه فهو معصوم . الثاني : أن يكون المراد ب « مَنْ رَحِمَ » هو الباري تعالى ، كأنه قيل : لا عاصم إلا الراحم . الثالث : أن « عاصِمَ » بمعنى معصوم ، وفاعل قد يجيء بمعنى مفعول نحو : « ماءٍ دافِقٍ » أي : « مدفوق » وأنشد : 2687 - بطيء القيام رخيم الكلا * م فأمسى فؤادي به فاتنا « 1 » أي : مفتونا ، و « مِنَ » مراد بها المعصوم ، والتقدير : لا معصوم اليوم من أمر اللّه إلا من رحمه اللّه ، فإنه يعصم . الرابع : أن يكون « عاصِمَ » هنا بمعنى النسب أي : ذا عصمة نحو : لابن وتأمر . وذو العصمة يطلق على العاصم وعلى المعصوم ، والمراد هنا المعصوم ، وهو على هذه التقادير : استثناء متصل . وقد جعله الزمخشري متصلا لمدرك آخر وهو حذف مضاف تقديره : لا يعصمك اليوم معتصم قط من جبل ونحوه سوى معتصم واحد ، وهو مكان من رحمهم اللّه ونجّاهم ، يعني في السفينة . وأما خبر « لا » فالأحسن أن يجعل محذوفا ، وذلك لأنه إذا دل عليه دليل وجب حذفه عند تميم ، وكثر عند الحجاز والتقدير : لا عاصم موجود ، وجوّز الحوفي وابن عطية أن يكون خبرها هو : الظرف ، وهو « الْيَوْمَ » . قال الحوفي : ويجوز أن يكون « الْيَوْمَ » خبرا فيتعلق بالاستقرار ، وبه يتعلق « مِنْ أَمْرِ اللَّهِ » وقد رد أبو البقاء ذلك فقال : فأما خبر « لا » فلا يجوز أن يكون « الْيَوْمَ » ، لأن ظرف الزمان لا يكون خبرا عن بل الخبر « مِنْ أَمْرِ اللَّهِ » ، و « الْيَوْمَ » معمول « مِنْ أَمْرِ اللَّهِ » . وأمّا « الْيَوْمَ » و « مِنْ أَمْرِ اللَّهِ » فقد تقدم أن بعضهم جعل أحدهما خبرا فيتعلق الآخر بالاستقرار الذي يتضمنه الواقع خبرا . ويجوز في « الْيَوْمَ » أن يتعلق بنفس « مِنْ أَمْرِ اللَّهِ » لكونه بمعنى الفعل . وجوّز الحوفي أن يكون « الْيَوْمَ » نعتا ل « عاصِمَ » ، وهو فاسد بما أفسد به وقوعه خبرا عن الجنة . وقرىء : « إلّا من رحم » مبنيا للمفعول ، وهي مقوية لقول من يدعي أن « مَنْ رَحِمَ » في قراءة العامة به : المرحوم لا الراحم كما تقدم تأويله ، ولا يجوز أن يكون « الْيَوْمَ » ولا « مِنْ أَمْرِ اللَّهِ » متعلقين ب « عاصِمَ » ، وكذلك الواحد منهما ، لأنه يكون الاسم مطولا ، ومتى كان مطولا أعرب ، ومتى أعرب نون ولا عبرة بخلاف الزجاج ، حيث زعم أن اسم « لا » معرب حذف تنوينه تخفيفا . قوله : ابْلَعِي . البلع : معروف ، والفعل منه مكسور العين ومفتوحها « بلع ، وبلع » حكاهما الكسائي والفراء و « الإقلاع » : الإمساك ، ومنه : أقلعت الحمّى . وقيل : أقلع عن الشيء ، أي : تركه ، وهو قريب من الأول . و « الغيض » : النّقصان ، وفعله لازم ومتعد ، فمن اللازم قوله تعالى : « وَما تَغِيضُ الْأَرْحامُ » ، أي : ينقص . وقيل : بل هو هنا متعد أيضا ، وسيأتي . ومن المتعدي هذه الآية ، لأنه لا يبني للمفعول من غير واسطة حرف الجر ، إلّا المتعدي بنفسه .
--> ( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 5 / 2760 ) ، روح المعاني ( 12 / 90 ) ، اللسان « فتن » .